حرب الجغرافيا ومصالح الطاقة بين الردع والانفجار الكبير
المستشار القانوني صاحب العنزي
تتدحرج كرة الحرب في الشرق الأوسط كلما تصاعد التوتر بين القوى الإقليمية والدولية، فهذه المنطقة التي تقع في قلب المصالح الجيوسياسية العالمية لطالما كانت ساحة صراع تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والسياسية.
في السنوات الأخيرة انتقلت المواجهات من مرحلة “حرب الظل” التي تعتمد على الضربات غير المعلنة والعمليات غير المباشرة إلى مرحلة أكثر حساسية تقترب فيها الأطراف المتنازعة من الاحتكاك المباشر، وهو تطور يعكس حجم التوتر المتراكم بين القوى الكبرى واللاعبين الإقليميين.
إن طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط لا تسمح ببقاء أي مواجهة ضمن حدود ضيقة، فالتشابك الجغرافي والسياسي بين دول المنطقة يجعل أي شرارة قابلة للتحول إلى سلسلة من التفاعلات المتتابعة التي تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وبلاد الشام والعراق واليمن، مما يخلق حالة من القلق الدولي بشأن احتمال توسع الصراع. ويزداد تعقيد المشهد بسبب الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية،
الأمر الذي يجعل أي تهديد لهذه الممرات بمثابة تهديد مباشر للاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق الدولية. وفي هذا السياق تلجأ القوى الكبرى إلى استعراض القوة العسكرية من خلال نشر الأساطيل البحرية والقواعد العسكرية والأنظمة الدفاعية، وهي خطوات تهدف غالباً إلى الردع وإيصال الرسائل السياسية أكثر مما تهدف إلى إشعال حرب شاملة، لأن تكلفة الحرب الكبرى في عالم مترابط اقتصادياً ستكون باهظة على الجميع.
ومع ذلك يبقى خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً، خاصة إذا تكررت الضربات المتبادلة أو خرجت بعض الأطراف غير المنضبطة عن قواعد الاشتباك غير المعلنة التي تحكم التوازن الهش في المنطقة.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة تتعدد السيناريوهات المحتملة، فهناك احتمال أن يتم احتواء التصعيد عبر الوساطات الدولية والضغوط الدبلوماسية، وهو السيناريو الذي تفضله معظم القوى العالمية حفاظاً على الاستقرار النسبي، كما يوجد احتمال آخر يتمثل في اندلاع حرب إقليمية محدودة تتبادل فيها الأطراف الضربات دون أن تصل إلى مواجهة شاملة،
أما السيناريو الأخطر فيبقى احتمال تحول الأزمة إلى صراع واسع النطاق إذا تعرضت منشآت استراتيجية كبرى لهجمات مباشرة أو تم إغلاق الممرات البحرية الحيوية أو تدخلت قوى دولية بشكل مباشر في المعركة.
وفي كل الأحوال فإن ما يجري اليوم يعكس حقيقة ثابتة في السياسة الدولية مفادها أن الشرق الأوسط ما زال يشكل أحد أهم مسارح التنافس الاستراتيجي في العالم، وأن استقرار هذه المنطقة لا يرتبط فقط بإرادة دولها بل أيضاً بتوازنات القوى العالمية ومصالحها المتشابكة، لذلك تبدو كرة الحرب وكأنها تتدحرج ببطء على منحدر شديد الانحدار، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أو أي قرار متسرع أن يدفعها إلى التسارع نحو مواجهة قد تغير ملامح المنطقة لسنوات طويلة قادمة
إن التداعيات الاقتصادية لأي تصعيد عسكري واسع في الشرق الأوسط قد تكون عميقة وتتجاوز حدود المنطقة لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله، فهذه المنطقة تمثل أحد أهم مراكز الطاقة في العالم، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على أسواق النفط والغاز وعلى حركة التجارة الدولية. فمع تصاعد التوترات العسكرية ترتفع المخاوف في الأسواق العالمية، ويبدأ المستثمرون بالتوجه نحو الأصول الآمنة، بينما تشهد أسعار الطاقة تقلبات حادة نتيجة القلق من احتمال تعطل الإمدادات أو إغلاق الممرات البحرية الحيوية. ويُعد مضيق هرمز مثالاً واضحاً على ذلك، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، وأي تهديد للملاحة فيه قد يؤدي إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط، وهو ما ينعكس بدوره على تكاليف النقل والصناعة وأسعار السلع في مختلف أنحاء العالم.
كما أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر أو بالقرب من باب المندب قد يؤدي إلى تعطّل خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا، الأمر الذي يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها البحرية لمسافات أطول وأكثر كلفة، وهو ما يرفع أسعار الشحن والتأمين البحري ويؤثر في سلاسل الإمداد العالمية.
ولا تقتصر التداعيات على أسواق الطاقة والتجارة فقط، بل تمتد إلى الاقتصادات المحلية في دول المنطقة التي قد تواجه ضغوطاً مالية كبيرة نتيجة ارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع الاستثمارات الأجنبية وهروب رؤوس الأموال نحو الأسواق الأكثر استقراراً.
كما أن حالة عدم اليقين السياسي والأمني قد تؤدي إلى تباطؤ المشاريع الاقتصادية الكبرى، وتعطّل السياحة، وتراجع النشاط التجاري، وهي عوامل قد تزيد من معدلات البطالة والتضخم في العديد من الدول. وفي الوقت نفسه قد تستفيد بعض الاقتصادات المنتجة للطاقة من ارتفاع الأسعار على المدى القصير،
إلا أن استمرار التوتر لفترة طويلة قد يؤدي إلى اضطرابات أوسع في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي في العديد من الدول الصناعية والنامية على حد سواء.
ومن جانب آخر فإن الحروب أو التوترات الطويلة غالباً ما تؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد الإقليمي، حيث قد تتجه الدول إلى تعزيز سياساتها الاقتصادية الدفاعية مثل تنويع مصادر الطاقة، وزيادة الاحتياطات الاستراتيجية من السلع الأساسية، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة. كما قد تسعى القوى الكبرى إلى إعادة ترتيب تحالفاتها الاقتصادية والتجارية بما يتلاءم مع التوازنات الجديدة التي قد يفرضها الصراع. وفي هذا السياق يصبح الاقتصاد أداة من أدوات الصراع بحد ذاته، من خلال العقوبات الاقتصادية والحصار التجاري والضغوط المالية، وهي أدوات قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من المواجهات العسكرية المباشرة.
وهكذا فإن التداعيات الاقتصادية لأي حرب محتملة في الشرق الأوسط لا تقتصر على ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب التجارة فقط، بل قد تمتد لتؤثر في الاستقرار المالي العالمي وفي مستوى معيشة ملايين الناس حول العالم، وهو ما يجعل القوى الدولية تدرك أن اندلاع حرب واسعة في هذه المنطقة لن يكون مجرد أزمة إقليمية، بل حدثاً اقتصادياً عالمياً قد يعيد رسم ملامح الاقتصاد الدولي لسنوات طويلة .
