شكراً لسقّاة الحياة… الماء الذي يكشف معادن الناس
احمد صالح الربيعي
في الأيام الماضية ، شهدت محافظة واسط دخول أعداد كبيرة من عجلات نقل المياه الصالحة للشرب، جاءت من بغداد ومحافظات الفرات الأوسط، إضافة إلى جهود هيئة الحشد الشعبي والعتبات المقدسة، وحتى من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. مشهد هذه الحوضيات وهي تتوافد تباعًا لم يكن عابرًا، بل كان رسالة إنسانية عميقة تختصر معنى التكافل الحقيقي وقت الأزمات.
هذا العطاء يبعث على الفرح، لأنه يكشف أن هناك من يسعى بصدق لأن يمد يد العون للآخرين، ويؤمن بأن الحياة لا تستقيم دون تعاون وتكافل. في المقابل، يضعنا هذا المشهد أمام تساؤل مؤلم: كيف يمكن أن يُحارب الإنسان في أبسط مقومات حياته، وهو الماء؟ ذلك العنصر الذي جعله الله أساس كل شيء حي، كما جاء في قوله تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”.
ما بين من يسخّر جهده وماله لتأمين الماء للناس، ومن يقف موقف المتفرج أو المقصّر، تتضح الفوارق. فالماء ليس منّة من أحد، بل هو حق مشاع لا يجوز حرمان الناس منه تحت أي ظرف. والتاريخ يعلّمنا أن منع الماء كان دومًا علامة على القسوة والتجرد من القيم، وهي ممارسات لا تمت للإنسانية ولا للدين بصلة.
اليوم، ومع ما يعيشه وسط وجنوب العراق من أزمة بيئية خانقة أثرت على الإنسان والحيوان على حد سواء، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: من يتحمل مسؤولية ما جرى لنهر دجلة؟ ومن يحاسب على هذا التدهور الذي طال أحد أهم مصادر الحياة في البلاد؟
إن ما يحدث لا يجب أن يُقابل بالصمت، بل يتطلب موقفًا جادًا ومسؤولًا من الجهات المعنية، يبدأ بالمحاسبة ولا ينتهي عند وضع الحلول الجذرية التي تضمن عدم تكرار هذه الأزمة. فالماء ليس رفاهية، بل هو حق أساسي، وأي تقصير في حمايته هو تقصير بحق الحياة نفسها.
وفي النهاية، سيبقى ضمير الإنسان هو الميزان الحقيقي، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم
