مقالات

العراق بين قرارات السلاح… وحافة الفتنة

زيد نصير

لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على إصدار القرارات، بل بقدرتها على احتواء نتائجها. فالقرار الذي لا يقرأ تعقيدات الواقع قد يتحول من وسيلة للإصلاح إلى شرارة تُشعل أزمة جديدة.

واليوم يقف العراق عند منعطف بالغ الحساسية. فالخطاب السياسي يزداد حدة، والثقة بين القوى المختلفة تتآكل، والشارع يعيش حالة من الترقب والقلق، بينما تتراكم الأزمات بوتيرة أسرع من الحلول. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر في القرار وحده، بل في توقيته، وآلية تنفيذه، وما يتركه من فراغ قد تستثمره الفوضى قبل أن تستوعبه الدولة.

إن ملف الحشد الشعبي ليس ملفًا إداريًا يمكن حسمه بقرار سريع، بل هو ملف يرتبط بالأمن والاستقرار والسلم الأهلي. ولهذا فإن أي معالجة له يجب أن تُبنى على حسابات الدولة، لا على حسابات اللحظة السياسية، لأن العراق لم يعد يمتلك ترف المغامرات، ولا يحتمل انتقال الخلافات من قاعات السياسة إلى شوارع المدن.

وما يثير القلق اليوم أن البلاد تبدو وكأنها تدخل مرحلة تتراجع فيها الحلول، بينما تتقدم الأزمات. فالاقتصاد يواجه تحدياته، والخدمات ما زالت دون مستوى تطلعات المواطنين، والاحتقان السياسي يتصاعد، فيما يشعر العراقي بأن الأفق يزداد ضبابية، وأن كل أزمة تُضاف إلى سابقتها دون أن تُغلق ملفات الأمس.

ومن هنا، فإن أي خطوة تتعلق بحل الحشد الشعبي، إن لم تُسبق برؤية وطنية شاملة، قد تُنتج فراغًا أمنيًا أو اجتماعيًا يصعب احتواؤه. فالمشكلة ليست في اتخاذ القرار، بل في ضمان ألا يتحول إلى سبب لاضطراب جديد أو انقسام أعمق، لأن الفتنة إذا خرجت من أبواب السياسة إلى الشارع، فلن يملك أحدٌ القدرة على رسم حدودها أو توقيت نهايتها.

ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى حلول متوازنة لا تكسر الدولة ولا تكسر المجتمع. ومن بين الرؤى التي تستحق النقاش، إعادة تنظيم الحشد الشعبي ضمن إطار قوات احتياط وطنية، مع حصر السلاح بالكامل بيد الدولة، وإيداعه في مخازنها الرسمية، بحيث لا يُستخدم إلا بقرار من القائد العام للقوات المسلحة وفي الظروف التي يحددها القانون. وبهذا تُعزز هيبة الدولة، ويُحافظ في الوقت نفسه على الخبرات المتراكمة دون خلق فراغ أو صدام.

ولا يقل الجانب الإنساني أهمية عن الجانب الأمني. فآلاف العائلات تعتمد في معيشتها على رواتب منتسبي هذه التشكيلات، ومن غير المقبول أن تتحول أي عملية إصلاح إلى مصدر قلق اجتماعي جديد. لذلك، فإن من يستحق الإحالة إلى التقاعد ينبغي أن تُصان حقوقه كاملة وفق القانون، بما يحفظ كرامته ويؤكد أن الدولة لا تتخلى عن أبنائها بعد سنوات الخدمة.

أما أي تشكيلات لا تكون جزءًا من المؤسسات الرسمية للدولة، فإن معالجة أوضاعها ينبغي أن تتم وفق الأطر القانونية، وبما يحدد بوضوح مسؤولية تمويلها والتزاماتها المالية، من دون تحميل الخزينة العامة أعباء لا تدخل ضمن مسؤولياتها، إلى حين حسم أوضاعها القانونية بصورة نهائية.

إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس اختلاف الآراء، فالاختلاف ظاهرة طبيعية في كل دولة، وإنما الخطر الحقيقي هو أن يتحول الخلاف السياسي إلى انقسام مجتمعي، ثم إلى فتنة يدفع ثمنها المواطن قبل السياسي، والوطن قبل الجميع.

إن العراق لا يحتاج إلى قرارات تستعرض القوة، بل إلى قرارات تُثبت هيبة الدولة وتحمي السلم الأهلي في آنٍ واحد. فالدولة القوية ليست التي تربح مواجهة داخلية، وإنما التي تمنع وقوعها أصلًا، وتنتصر للحكمة قبل أن تضطر إلى الانتصار بالقوة.

وفي اللحظات المصيرية، لا يكون السؤال: من انتصر؟ بل يكون السؤال الأهم: هل بقي الوطن متماسكًا بعد انتهاء المعركة؟ فالأوطان التي تخسر وحدتها لا يعوضها أي انتصار سياسي، أما الأوطان التي تنتصر لوحدتها، فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *