مقالات

الأساس القانوني للتشريع وحق السلطة التنفيذية في إصدار القرارات ذات الطابع التشريعي

المستشار القانوني صاحب العنزي

قراءة تحليلية في ضوء المواد (14، 16، 34) من الدستور العراقي وقرار مجلس الوزراء الموقر رقم (11) لسنة 2026 وقانون أسس تعادل الشهادات رقم (20) لسنة 2020

يُعد الدستور المرجعية العليا للنظام القانوني في الدولة، وتلتزم جميع السلطات، دون استثناء، بالخضوع لأحكامه ونصوصه. وانطلاقاً من مبدأ المشروعية الدستورية، فإن أي قرار إداري أو تنظيمي يفقد سنده القانوني متى ما خالف الدستور أو القوانين النافذة. وتبرز هذه الإشكالية بوضوح عند دراسة قرار مجلس الوزراء الموقر رقم (11) لسنة 2026، الذي قيّد حق الموظفين في إكمال دراستهم بعد التعيين، باستثناء فئات محددة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى دستوريته ومشروعيته القانونية.

أولاً: التشريع بين الاختصاص الأصيل والتفويض المقيد

الأصل أن التشريع اختصاص حصري للسلطة التشريعية، ولا يجوز للسلطة التنفيذية أن تحل محلها إلا بقدر ما يسمح به القانون والدستور. فالقرارات الصادرة عن مجلس الوزراء يجب أن تظل في إطار تنفيذ القوانين لا إنشائها، وألا تنطوي على قواعد عامة مجردة تُقيّد الحقوق والحريات أو تُعيد تنظيمها على نحو يخالف ما استقر عليه المشرّع.

وعليه، فإن أي قرار تنفيذي يتضمن حظراً عاماً أو قيداً مطلقاً على حق أصيل، دون سند تشريعي صريح، يُعد خروجاً على مبدأ الفصل بين السلطات وتجاوزاً للاختصاص.

ثانياً: مخالفة القرار لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص (المادتان 14 و16)

أكد الدستور العراقي في المادة (14) على مبدأ المساواة أمام القانون، دون أي تمييز غير مبرر، كما كفلت المادة (16) حق تكافؤ الفرص لجميع العراقيين. ويُفهم من ذلك أن التفريق بين الموظفين لا يكون مشروعاً إلا إذا استند إلى معيار موضوعي له علاقة مباشرة بطبيعة العمل ومتطلبات المصلحة العامة، وبشرط التناسب وعدم التعسف.

حيث نصت المادة (14) من الدستور العراقي على أن “العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز”، وهو نص عام مطلق يهدف إلى منع أي تفرقة غير مبررة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. كما أكدت المادة (16) أن تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، مع إلزام الدولة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك.
ويُفهم من هذين النصين أن أي قرار إداري يُنشئ تمييزاً بين فئة وأخرى من دون مسوغ دستوري أو موضوعي يُعد مخالفاً للدستور . فالمساواة لا تعني التطابق المطلق، لكنها تقتضي وحدة المعاملة القانونية متى ما تماثلت المراكز القانونية.

غير أن قرار مجلس الوزراء الموقر رقم (11) لسنة 2026 فرّق بين الموظفين على أساس الجهة الوظيفية فقط، فأجاز إكمال الدراسة لموظفي التعليم العالي والصحة، ومنع باقي الموظفين، دون بيان معيار دستوري أو قانوني يبرر هذا التمييز، مما يجعله مخالفاً لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.

ثالثاً: الحق في التعليم والتزام الدولة بتشجيع البحث العلمي

حيث نصت المادة (34) من الدستور على أن التعليم حق مكفول لكل العراقيين في مختلف مراحله، وأن الدولة تلتزم بتشجيع البحث العلمي ورعاية التفوق والإبداع. ويُستخلص من هذا النص أن الدولة ليست فقط جهة تنظيمية، بل جهة راعية للتعليم، وعليها إزالة المعوقات أمام تطور الفرد العلمي، لا أن تفرض قيوداً تعسفية تحول دون ذلك.

ومن ثم، فإن منع الموظف من إكمال دراسته، لمجرد كونه معيناً في وظيفة عامة، يُعد إخلالاً بالغاية الدستورية من النص، ويُفرغ الحق في التعليم من مضمونه العملي.

رابعاً: تعارض القرار مع قانون أسس تعادل الشهادات رقم (20) لسنة 2020

إلى جانب مخالفته للدستور، يتعارض قرار مجلس الوزراء رقم (11) لسنة 2026 مع قانون أسس تعادل الشهادات رقم (20) لسنة 2020، الذي نظّم مسألة الاعتراف بالشهادات العلمية ومعادلتها، وهدف إلى تشجيع تطوير الكفاءات العلمية وتنظيم المسار الأكاديمي للعراقيين داخل العراق وخارجه.

فهذا القانون لم يضع أي قيد يمنع الموظف من إكمال دراسته بعد التعيين، بل تعامل مع الشهادة العلمية بوصفها حقاً علمياً ومنجزاً معرفياً، متى ما استوفت شروط المعادلة. وعليه، فإن قراراً تنفيذياً يمنع أصلاً الحصول على الشهادة يُعد متعارضاً مع فلسفة القانون ومقاصده، بل ويُشكّل تعدياً على اختصاص المشرّع الذي أجاز، ضمناً وصراحة، تطوير المؤهل العلمي للمواطن دون تمييز.

كما أن القاعدة القانونية المستقرة تقضي بأن القرار الإداري لا يجوز أن يعدّل أو يعطّل قانوناً نافذاً، وهو ما يجعل القرار محل البحث مشوباً بعيب مخالفة القانون والانحراف بالسلطة.

خامساً: الأثر القانوني للقرار وإمكانية الطعن به

إن اجتماع مخالفة الدستور والقانون في قرار واحد يفتح الباب واسعاً للطعن بعدم مشروعيته أمام القضاء الإداري، فضلاً عن إمكانية الطعن بعدم دستوريته لمخالفته المواد (14 و16 و34) من الدستور. ويترتب على ذلك إمكانية إلغائه، واعتباره معدوماً الأثر القانوني منذ صدوره، حمايةً للحقوق الدستورية وترسيخاً لمبدأ سيادة القانون.

ومن ثم، فإن إعادة النظر في هذا القرار باتت ضرورة دستورية وقانونية، بما ينسجم مع روح الدستور ومقاصد التشريع، ويُعيد الاعتبار لحق المواطن العراقي في العلم والتطور، باعتباره أساس النهضة وبناء الدولة الحديثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *