يهود إيران… هجرة وتحديات في ظل الجمهورية الإسلامية
هادي سعود القره غولي
المعروف أن الشعوب، ومنذ بدء الخليقة، اتخذت لها مساكن على هذه الأرض، وتباينت أماكن انتشارها بحسب التحولات التاريخية والبيئية. وكانت منطقتنا، وبالخصوص الشرق الأوسط، مركزًا أساسيًا للتكوين البشري وللكثافات السكانية، لما شهدته من حضارات متعاقبة وتنوع ديني وثقافي واسع. وبعد نزول الأديان السماوية، أصبحت منطقتنا موطنًا لتعددية دينية ثرية، كان لكل منها أثرٌ واضح في تاريخ المنطقة.
وحديثنا اليوم يتناول اليهود في الشرق الأوسط، وتحديدًا في إيران. فمن يظن أن إيران دولة مغلقة على نفسها، محصورة بالمسلمين الشيعة فقط، فهو بعيد عن الواقع. فإيران، كغيرها من دول المنطقة، تضم مجموعات دينية متعددة: يهودًا، مسيحيين، زرادشتيين، ومسلمين. والعجيب – وربما المفاجئ للكثير من القراء – أن في إيران اليوم أكثر من 25 معبدًا يهوديًا يمارس فيه اليهود عباداتهم وطقوسهم الدينية بحرية واضحة.
وقد اطلعتُ على مقتطفات من لقاء صحفي فرنسي جال في شوارع طهران والتقى بعدد من أبناء الطائفة اليهودية هناك. يقول هذا الصحفي: إنه من الصعب تخيل وجود مجتمع يهودي نابض في قلب العاصمة الإيرانية، في دولة يصرّ قائدها على معاداة إسرائيل. لكنه يضيف: لم أتوقع يومًا أن أرى هذا المستوى من الوجود اليهودي المنظم داخل إيران، بهذه العلنية وبهذه الثقة.
ويذكر الصحفي أنه التقى أحد اليهود الإيرانيين، فسأله:
“كيف تعيشون هنا؟ وهل تشعرون بالخوف في ظل التوتر السياسي بين إيران وإسرائيل؟”
فأجابه الرجل بثقة:
“نحن اليهود الإيرانيون نعيش في هذه الأرض منذ أكثر من 30 قرنًا. وجودنا هنا ليس ظاهرة غريبة، نحن جزء من نسيج هذا البلد. التوترات السياسية تخص الحكومات، لا تخص الشعب.”
ويتابع الصحفي سؤاله قائلًا إن البعض يقارن أوضاع اليهود في إيران بأوضاع اليهود في ألمانيا النازية قبل الحرب العالمية الثانية، فأجابه المواطن اليهودي الإيراني:
“الفرق كبير. النظام في ألمانيا آنذاك كان فاشيًا بطبيعته، أما هنا فالنظام ليس فاشيًا. وقد تكون هناك نزاعات حادة بين إيران وإسرائيل، لكن ذلك لا ينعكس على حياتنا اليومية لأن الحكومة تميّز بوضوح بين اليهود كديانة والصهيونية كمشروع سياسي.”
انتهى حديث الصحفي…
ومن هنا نقول: لا عجب أن تصمد هذه الدولة وهذه الأمة أمام العواصف. فالأمم العريقة لا تُصنع من فراغ، بل من تاريخ ضارب في الجذور، وأجيال توارثت القدرة على التكيف والصمود. والبلدان ذات الحضارات الممتدة – مهما تكالبت عليها الأحداث والضغوط – تعود دائمًا إلى ماضيها لتستمد منه قوة لحاضرها، وتستشرف به مستقبل أجيالها. فكما يقال: “الماضي لا يموت”، بل يظل حيًا في سلوك الشعوب وقدرتها على الاستمرار والبقاء رغم كل التحديات
