مقالات

تصدير نفط العراق عبر خط سكة حديد البصرة–شلامجة في ظل الحرب الإقليمية

الخبير الاقتصادي كريم الأعرجي

مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج العربي ومضيق هرمز، اختلت التجارة الخارجية للعراق وبرزت مرة أخرى ضرورة تنويع المسارات التجارية أمام الشعب والحكومة العراقية. ويمكن لخط سكة حديد البصرة–شلامجة، باعتباره أقل تكلفة وأقصر المسارات، أن يوفر خيارًا لتصدير نفط العراق إلى الصين بعيدًا عن المنطقة المتوترة في الخليج العربي ومضيق هرمز.

على مرّ التاريخ، كانت الحروب من أبرز العوامل التي تضعف التجارة الدولية، وتسعى الدول عادة إلى الابتعاد عن المناطق ذات التوتر العسكري. فالحروب، بالإضافة إلى ما تخلّفه من دمار وانعدام أمن للأطراف المتصارعة، تؤدي — تبعًا للموقع الجيوسياسي — إلى تهديد المسارات التجارية الدولية، ما يجعل الحفاظ على استدامة التجارة تحديًا كبيرًا.

وخلال الشهر الماضي، ومع اغتيال واستشهاد آية الله خامنئي، مرشد الثورة الإسلامية في إيران، على يد الولايات المتحدة وإسرائيل، توسّعت دائرة الرد الإيراني لتشمل كامل منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط)، وفقًا لوعود المسؤولين الإيرانيين السابقة. وقد سبق لإيران أن حذّرت من أنها، في حال تكرار الاعتداء على أراضيها، ستستهدف بالإضافة إلى الأراضي المحتلة (إسرائيل)، جميع القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، كما ستمنع مرور السفن عبر مضيق هرمز إذا كان مقصدها أو منشؤها مرتبطًا بمصالح الولايات المتحدة أو حلفائها المشاركين في العدوان العسكري ضد إيران.

وبناء على ذلك، ومع بدء الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران، تم إغلاق مضيق هرمز — الذي تمر عبره أكثر من 20% من الطاقة المستهلكة عالميًا — من قبل القوات البحرية الإيرانية، ولم يُسمح بالعبور إلا لعدد محدود من السفن، فيما تتعرض الناقلات التي تحاول العبور دون إذن إلى استهداف صاروخي.

في هذه الظروف، أصبح العراق من أكثر الدول المتضررة في تجارتها وصادراتها ووارداتها، إذ تتم في الظروف الاعتيادية أكثر من 95% من صادراته النفطية وجزء كبير من وارداته عبر بحر عُمان ومضيق هرمز. ولهذا واجهت التجارة العراقية، ولا سيما تعاملاتها مع الصين، مشكلات متعددة، رغم أن الصين تعد أحد أهم الشركاء التجاريين للعراق وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2024 أكثر من 56 مليار دولار، كما تشتري خلال السنوات الأخيرة معدل 25% من إجمالي نفط العراق.

ومن جانب آخر، أعلنت إيران أن ظروف المرور عبر مضيق هرمز لن تعود إلى ما كانت عليه حتى بعد انتهاء الحرب، وهو ما يشكل تهديدًا طويل الأمد لتجارة العراق.

لذلك، فإن إنشاء مسارات برية بديلة — وخصوصًا خطوط السكك الحديد — أصبح ضرورة ملحّة أمام الحكومة العراقية للخروج من الاعتماد الكامل على المسار المتوتر في الخليج العربي، وضمان استمرار تصدير النفط بوصفه شريان الحياة الاقتصادي للعراق، ولا سيما إلى الشركاء المهمين مثل الصين. وقد بادرت دول مجاورة مثل إيران وتركيا والسعودية إلى الاستثمار في هذا التوجه خلال السنوات الأخيرة.

حاليًا، يعد الاتصال السككي مع الصين عبر إيران من خلال خط سكة حديد البصرة–شلامجة الخيار الوحيد المتاح للعراق. ولا يحتاج هذا الخط للتشغيل سوى استكمال 33 كيلومترًا من السكك الحديدية وإنجاز الجسر المتحرك بطول 800 متر فوق شط العرب. كما يقع مسار المشروع بالقرب من أكبر مكامن النفط في البلاد.

وقد كان مشروع سكة حديد البصرة–شلامجة مطروحًا منذ سنوات، وتؤكد إيران عزمها على استكماله في أسرع وقت. وفي هذا السياق، اعتبر الرئيس الإيراني بزشكيان، خلال لقائه رئيس جمهورية العراق عبد اللطيف رشيد، أن ربط خطوط السكك الحديدية بين البلدين خطوة ضرورية، ووضع استكمال مشروع سكة حديد البصرة–شلامجة ضمن أولويات إيران الأساسية.

لكن لا ينبغي للحكومة العراقية أن تكتفي بهذا المشروع أو بالاكتفاء بالربط السككي مع إيران فقط؛ بل عليها العمل أيضًا على إنشاء مسارات تجارية جديدة من خلال الاتفاق مع بقية الدول المجاورة. وفي ظل اتضاح أهمية تنويع المسارات، فإن استكمال الـ33 كيلومترًا المتبقية من خط سكة حديد البصرة–شلامجة — الذي يمثل التزامًا عراقيًا — يُعد ضرورة عاجلة، ليكون هذا المسار طريقًا تجاريًا طارئًا، خصوصًا في تعاملات العراق التجارية مع الصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *