في عيد الصحافة العراقية.. حبرٌ قاوم العواصف وصوتٌ لم ينحنِ
بقلم : رئيس التحرير
في كل عام حين يطل الخامس عشر من حزيران لا تحتفل الأسرة الصحفية العراقية بمناسبة مهنية عابرة بل تستحضر فصلا طويلا من تاريخ وطن كتب جزء كبير منه بالحبر والكلمة والصورة ، إنه عيد الصحافة العراقية ، المناسبة التي تعيد إلى الأذهان مسيرة امتدت لأكثر من قرن ونصف، منذ صدور جريدة “الزوراء” عام 1869، لتبدأ معها رحلة الصحافة العراقية في نقل الخبر وصناعة الرأي وتوثيق الذاكرة.
ولعل ما يميز الصحافة العراقية عن كثير من تجارب الصحافة في العالم أنها لم تنشأ في ظروف مستقرة ومريحة، بل وجدت نفسها دائماً في قلب الأحداث الكبرى. فمن الحروب المتعاقبة إلى التحولات السياسية الحادة، ومن الأزمات الاقتصادية إلى التحديات الأمنية، بقي الصحفي العراقي شاهداً ومؤرخاً ومراسلاً في الوقت ذاته. كان يحمل دفتر ملاحظاته أحياناً في أماكن يصعب على الآخرين الوصول إليها، ويكتب قصص الناس وهمومهم بينما كانت الظروف تدفع كثيرين إلى الصمت.
وعندما نتحدث عن الصحافة العراقية، فإننا لا نتحدث عن مؤسسات إعلامية فحسب، بل عن رجال ونساء آمنوا بأن للكلمة دوراً في بناء المجتمع. فكم من قضية خدمية وجدت طريقها إلى الحل بعد أن سلطت عليها وسائل الإعلام الضوء، وكم من موهبة أو مبادرة أو مشروع تنموي عرفه الناس عبر تقرير صحفي أو تحقيق ميداني أو لقاء تلفزيوني.
لكن عيد الصحافة ليس مناسبة للاحتفاء بالمنجزات فقط، بل فرصة للتأمل أيضاً. فالصحافة اليوم تواجه تحديات مختلفة عما واجهته في الماضي. ففي زمن السرعة الهائلة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح السباق نحو نشر المعلومة أسرع من أي وقت مضى، وأصبح التحقق من الأخبار ومكافحة الشائعات مسؤولية مضاعفة تقع على عاتق الصحفي المهني. ولم يعد النجاح مرهوناً بمن ينشر أولاً، بل بمن يقدم الحقيقة بصورة دقيقة ومتوازنة.
ومن هنا، فإن مستقبل الصحافة العراقية لا يعتمد على التقنيات الحديثة وحدها، بل على الحفاظ على جوهر المهنة: المصداقية، والموضوعية، واحترام عقل الجمهور. فالأدوات تتغير، والمنصات تتطور، لكن قيمة الخبر الصادق تبقى ثابتة مهما تبدلت الوسائل.
وفي هذا العيد، يستحق كل صحفي عراقي كلمة تقدير، سواء كان يعمل في صحيفة أو إذاعة أو قناة تلفزيونية أو موقع إلكتروني. كما يستحق الذكر أولئك الذين رحلوا وهم يؤدون واجبهم المهني، تاركين وراءهم إرثاً من الشجاعة والإخلاص للمهنة.
يبقى عيد الصحافة العراقية أكثر من مجرد ذكرى سنوية؛ إنه تذكير بأن الأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالكلمة الحرة أيضاً. فحين يكون الخبر صادقاً، والقلم مسؤولاً، والصوت مهنياً، تصبح الصحافة شريكاً حقيقياً في صناعة الوعي وحفظ ذاكرة الأجيال
