مقالات

بين التوافق المفقود والمساومات المفتوحة… أين عالقة الحكومة…؟

طارق المياحي

منذ اللحظة الأولى لانطلاق مشاورات تشكيل الحكومة كان واضحا أن الطريق لن يكون معبداً لكن ما لم يكن متوقعا هو أن يتحول التأخير إلى حالة سياسية قائمة بذاتها وأن يصبح الفراغ أمرا اعتياديا يتكرر مع كل استحقاق اليوم لا تكمن المشكلة في اختلاف وجهات النظر فالتعددية بطبيعتها تفرز تباينا في الرؤى بل في غياب الإرادة الحقيقية لصناعة توافق يتجاوز الحسابات الضيقة نحو أفق وطني أوسع.

المشهد السياسي يبدو وكأنه يدور في حلقة مغلقة تصريحات متفائلة في العلن ومساومات مفتوحة خلف الأبواب المغلقة كل طرف يعلن تمسكه بمصلحة البلاد لكنه في الوقت ذاته يتمسك بشروطه كاملة دون استعداد لتقديم تنازل متوازن يُسرع ولادة الحكومة وهكذا تحول مفهوم “التوافق” من كونه وسيلة لبناء شراكة سياسية إلى أداة ضغط تُستخدم لتحسين شروط التفاوض.

الحكومة اليوم عالقة عند تقاطع المصالح المتشابكة فبدل أن يكون النقاش منصبا على البرنامج الحكومي وأولويات المرحلة المقبلة انحصر الجدل في توزيع الحقائب وتحديد موازين النفوذ ومع كل جولة تفاوض تتقدم لغة الأرقام والحصص على لغة الإصلاح والالتزام وهذا ما جعل الشارع يشعر بأن صوته الذي منح الشرعية للعملية السياسية أصبح بعيدا عن طاولة القرار وهذا مؤشر خطير.

إن استمرار هذا التعثر يكشف أن الأزمة أعمق من مجرد خلاف عابر إنها أزمة منهج في إدارة الاختلاف فالتوافق لا يعني انتصار طرف على آخر بل اتفاقا على أرضية مشتركة تحفظ الاستقرار وتُقدم مصلحة الدولة على أي اعتبار آخر. والمساومات إذا لم تُضبط بسقف وطني واضح تتحول إلى عائق بدل أن تكون وسيلة للحل.

في النهاية تبقى الحكومة عالقة ما دام منطق الصفقة يتقدم على منطق الدولة وما دام كل طرف ينتظر أن تُلبى شروطه كاملة دون أن يبادر بخطوة تقرب المسافات البلاد لا تحتاج إلى حكومة تولد من رحم الضغوط المؤقتة بل إلى صيغة حكم تعكس نضجا سياسيا وقدرة على إدارة التعدد بروح الشراكة لا بروح الغلبة وحده التوافق الحقيقي القائم على رؤية واضحة وأولويات محددة قادر على إخراج الحكومة من دائرة الانتظار ووضعها في مسار العمل الفعلي وإلا سيبقى السؤال مطروحا: إلى متى يبقى الوطن رهينة المساومات..؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *