“دراما رمضان.. حين يصبح التكرار مملاً والإسفاف فنًا!”
رئيس التحرير – حازم الصائغ
مع بداية شهر رمضان المبارك، تتسابق القنوات الفضائية لعرض أعمالها الدرامية وبرامجها الترفيهية، لكن المتابع يجد نفسه أمام مشهد مكرر لا جديد فيه سوى تغيّر أسماء المسلسلات وأبطالها، بينما تبقى المضامين تدور في نفس الفلك: خيانة، جريمة، انحلال أخلاقي، وبرامج كاميرا خفية أصبحت أقرب إلى المسرحيات المكشوفة.
لا يختلف اثنان على أهمية الدراما كوسيلة لنقل الواقع وتسليط الضوء على قضايا المجتمع، لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي يتم بها تناول هذه القضايا. فبدلًا من تقديم حلول أو معالجات بناءة، نجد الأعمال الرمضانية تكرّس السلبيات وتجعل منها جزءًا من الهوية الاجتماعية.
ففي أغلب المسلسلات، تتكرر قصص الخيانة الزوجية كأنها أصبحت سمة عامة في المجتمع، ويُصوَّر الأبناء على أنهم عاقّون لوالديهم، بينما تُقدَّم الشخصيات الإجرامية كأبطال يمتلكون الذكاء والدهاء، ويتم تلميع صورتهم بطريقة قد تثير التعاطف معهم بدلًا من رفض أفعالهم.
وهنا يبرز السؤال: هل يُراد من هذه الأعمال تسليط الضوء على مشاكل حقيقية أم أنها مجرد استثمار في الفضائح والقصص المثيرة لجذب المشاهدين؟
أما على صعيد البرامج الترفيهية، فإن “الكاميرا الخفية” التي كانت في الماضي تعتمد على المواقف العفوية والذكية، أصبحت اليوم مجرد سيناريوهات متفق عليها مسبقًا، لا هدف لها سوى استعراض مفاتن المرأة، أو السخرية من الضيوف بطريقة غير لائقة.
لم يعد المشاهد يصدق هذه البرامج، بل أصبح يدرك أنها تقوم على تمثيليات مكشوفة، حيث يتظاهر الضيف بالصدمة، ثم ينفجر في نوبة غضب قبل أن يكتشف “المقلب”، لينتهي الأمر بضحكات مصطنعة ومشهد ختامي ممل.
في وقت يُفترض أن يكون رمضان شهرًا للقيم الرفيعة والمحتوى الهادف، تتحول الشاشة إلى ساحة لعرض أعمال تكرّس الانحطاط الأخلاقي بدعوى الواقعية. ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود بعض المحاولات الجيدة التي تحاول تقديم محتوى مختلف، لكنها تبقى نادرة وسط طوفان من الإنتاجات المستهلكة.
إن الحاجة باتت ملحّة إلى تجديد الرؤية الدرامية والابتعاد عن القوالب النمطية، وتقديم أعمال تعكس قيم المجتمع الحقيقية، وتطرح قضاياه بأسلوب ذكي بعيدًا عن الإسفاف والاستفزاز. فالجمهور، رغم كل شيء، لا يزال يبحث عن عمل درامي يحترم عقله وقيمه، ويمنحه المتعة دون أن يكون على حساب أخلاقه ومبادئه.
رمضان ليس مجرد موسم درامي، بل هو فرصة لصناعة محتوى يحمل رسالة هادفة ويترك أثرًا إيجابيًا في المجتمع. وبينما يصرّ البعض على تقديم أعمال لا تختلف عن سابقتها، يبقى الأمل في أن يدرك صناع الدراما والإعلام أن الإبداع الحقيقي لا يكمن في الإثارة الرخيصة، بل في تقديم محتوى يرتقي بالذائقة وينعكس إيجابيًا على المجتمع.