الطالب الجامعي بين المحصلة العلمية والشهادة الورقية
احمد عبد الحسين
شهدت السنوات الأخيرة في العراق تحولًا واضحًا في نظرة الطلبة الجامعيين نحو التعليم العالي، حيث باتت الشهادة الجامعية غاية بحد ذاتها، بغض النظر عن مستوى التحصيل العلمي والمعرفة المكتسبة. فبينما كان التعليم الجامعي في السابق يُنظر إليه كوسيلة لاكتساب المعرفة والتخصص وتطوير المهارات، أصبح اليوم لدى كثير من الطلاب مجرد مرحلة يتجاوزونها للحصول على شهادة ورقية تمكنهم من دخول سوق العمل أو تحقيق مكانة اجتماعية معينة. وهذا التحول يثير العديد من التساؤلات حول الأسباب التي أدت إلى ذلك، والآثار المترتبة عليه، والحلول الممكنة لإعادة التوازن بين التحصيل العلمي وقيمة الشهادة الجامعية.
لقد أدى تراجع جودة التعليم العالي في العراق إلى تقليل اهتمام الطلبة بالتحصيل العلمي الحقيقي. فضعف المناهج الدراسية وعدم مواكبتها لمتطلبات العصر، بالإضافة إلى قلة الكوادر التدريسية المؤهلة، جعل الكثير من الطلاب ينظرون إلى الدراسة على أنها مجرد التزام يجب تجاوزه للحصول على الشهادة، بدلًا من كونها فرصة لاكتساب المعرفة وتنمية المهارات. كما أن غياب بيئة أكاديمية محفزة على البحث العلمي والإبداع ساهم في تراجع الحافز لدى الطلبة، مما جعلهم يركزون على تحقيق النجاح بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كان ذلك دون تحصيل علمي حقيقي.
إلى جانب ذلك، فإن الضغوط الاجتماعية تلعب دورًا كبيرًا في هذا التحول، حيث أصبح المجتمع العراقي ينظر إلى الشهادة الجامعية على أنها المقياس الأساسي للنجاح، بغض النظر عن مستوى المعرفة والمهارات الحقيقية التي يمتلكها الفرد. فالكثير من العائلات تدفع أبناءها نحو التعليم الجامعي فقط للحصول على شهادة، دون الاهتمام بمحتوى ما يتعلمونه. كما أن سوق العمل العراقي يعتمد في كثير من الأحيان على المؤهلات الورقية أكثر من الكفاءات الحقيقية، مما يعزز من فكرة أن الحصول على شهادة هو الهدف الأهم، بغض النظر عن مدى كفاءة الطالب أو جاهزيته لسوق العمل.
ومما زاد من تفاقم هذه الظاهرة هو انتشار أساليب الغش والتسهيلات غير الأكاديمية داخل بعض الجامعات، حيث أصبح النجاح ممكنًا بطرق غير علمية، مما قلل من أهمية التحصيل العلمي الحقيقي. كما أن ضعف فرص البحث العلمي والتدريب العملي جعل الطلبة يفقدون الاهتمام بالتعلم العميق، ويتجهون نحو التركيز فقط على تجاوز الامتحانات بأي شكل من الأشكال.
إن هذا التحول في نظرة الطلبة نحو التعليم له آثار سلبية كبيرة على المجتمع وسوق العمل. فمن جهة، يؤدي انخفاض مستوى الكفاءات العلمية إلى تخريج أعداد كبيرة من الطلاب دون امتلاك المهارات الحقيقية اللازمة لمجالاتهم، مما يجعلهم غير قادرين على تلبية احتياجات سوق العمل بفعالية. ومن جهة أخرى، يتسبب هذا الواقع في ضعف الابتكار والإبداع، إذ إن التركيز على الشهادة بدلًا من المعرفة يؤدي إلى تراجع روح البحث العلمي والإنتاج الفكري، وهو ما ينعكس سلبًا على التنمية الاقتصادية والتكنولوجية في العراق. كما أن هذه الظاهرة تؤدي إلى زيادة معدلات البطالة المقنعة، حيث يصبح هناك عدد كبير من الخريجين الذين لا يمتلكون المهارات المطلوبة، مما يجعلهم إما غير قادرين على الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، أو يعملون في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم.
ولإعادة التوازن بين التحصيل العلمي وقيمة الشهادة الجامعية، لا بد من اتخاذ خطوات جادة لإصلاح المنظومة التعليمية. يجب تطوير المناهج الجامعية لتكون أكثر توافقًا مع متطلبات العصر وسوق العمل، بحيث يصبح التعليم الجامعي وسيلة لتنمية المهارات وليس مجرد مرحلة للحصول على شهادة. كما يجب تشجيع البحث العلمي والتدريب العملي داخل الجامعات، بحيث يكتسب الطلبة خبرات عملية حقيقية تؤهلهم لسوق العمل.
إلى جانب ذلك، من الضروري تغيير ثقافة المجتمع تجاه التعليم، بحيث لا يكون التركيز على الحصول على الشهادة فقط، بل على اكتساب المعرفة والمهارات. كما أن تعزيز الرقابة الأكاديمية ومحاربة الغش والتلاعب بالمعدلات أمر أساسي لضمان أن الشهادة الجامعية تعكس مستوى حقيقيًا من الكفاءة العلمية.
إن استمرار النظرة إلى الشهادة الجامعية على أنها الهدف الأساسي دون التركيز على التحصيل العلمي الحقيقي يشكل خطرًا على مستقبل التعليم في العراق، ويؤثر سلبًا على جودة الخريجين ومدى تأثيرهم في المجتمع وسوق العمل. لذا، لا بد من بذل جهود مشتركة من الجامعات والمجتمع والحكومة لإعادة التوازن بين قيمة الشهادة وأهمية التحصيل العلمي، حتى يكون التعليم العالي وسيلة لبناء كفاءات حقيقية قادرة على النهوض بالبلاد نحو مستقبل أفضل.