حين يضيق الخناق على الفساد… هل بدأت ساعة الحساب؟
علي مجيد
منذ سنوات، ظلّ ملف الفساد في العراق يمثل التحدي الأكبر أمام الدولة، حتى بات اسمه يتردد في كل حديث عن تعثر الخدمات، واستنزاف المال العام، وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات. ومع كل حملة لمكافحة الفساد، كان السؤال يتكرر: هل ستكون مختلفة عن سابقاتها، أم أنها ستنتهي كما انتهت غيرها؟
اليوم، تبدو الصورة أكثر جدية من أي وقت مضى. فالإجراءات القضائية والأمنية تتسع لتشمل شخصيات شغلت مواقع سياسية وإدارية رفيعة، من نواب سابقين ومحافظين ومستشارين، في مؤشر يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة المساءلة وعدم الاكتفاء بالملفات الصغيرة أو الأسماء الثانوية.
ولا تكمن أهمية هذه الحملة في عدد أوامر القبض أو حجم الأموال والموجودات التي يتم ضبطها ومصادرتها فحسب، بل في الرسالة التي تحملها. فحين يصبح المنصب العام غير قادر على توفير الحصانة لصاحبه، فإن ذلك يبعث بإشارة واضحة إلى أن القانون يجب أن يكون المرجعية العليا، وأن المساءلة لا ينبغي أن تستثني أحداً.
لكن التجارب السابقة تدفع إلى التعامل مع المشهد بقدر من الحذر. فالمواطن العراقي لم يعد ينتظر أخبار الاعتقالات بقدر ما ينتظر نتائجها. فاسترداد الأموال المنهوبة، وإصدار أحكام قضائية عادلة، وتنفيذها بصورة كاملة، تمثل المعيار الحقيقي لنجاح أي حملة لمكافحة الفساد، لا عدد المؤتمرات الصحفية أو البيانات الرسمية.
كما أن نجاح هذه الإجراءات يتطلب أن تتحول من ردود أفعال إلى سياسة دولة دائمة، تستند إلى مؤسسات رقابية مستقلة، وقضاء فاعل، وتشريعات أكثر صرامة، وآليات تمنع استغلال النفوذ قبل وقوعه، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة مرتكبيه بعد حدوثه.
إن الحرب على الفساد ليست معركة أمنية أو قضائية فحسب، بل هي معركة لاستعادة هيبة الدولة وثقة المجتمع. وإذا ما استمرت هذه الإجراءات بالوتيرة نفسها، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو انتقائية، فإنها قد تمثل نقطة تحول حقيقية في مسار بناء دولة المؤسسات.
ويبقى السؤال الأهم: هل نشهد بداية مرحلة جديدة يكون فيها القانون هو الفيصل بين الجميع، أم أن هذه الحملة ستكون محطة عابرة في سجل طويل من المواجهات مع الفساد؟
الإجابة لن تصنعها التصريحات، بل ستكتبها الوقائع، وستحسمها الأيام.
