الكوادريليون العراقي… الرقم الذي لا تدرسه الرياضيات بل تكتبه ملفات الفساد
رئيس التحرير
كوادريليون .. هذه ليست اسم مدينة في اوربا ولا أسم لاعب لكرة القدم ولا علاجا طبيا مثل اسماء العلاجات التي يبحث عنها ملايين العراقيين بشقاء وتعب هنا وهناك، هذا اسم لرقم لم نسمعه في حصص الرياضيات ، بل سمعناه في حصص سرقة العراق، اكثر من 3 كوادريليون دينار عراقي… هكذا قيل عن حجم الأموال المنهوبة منذ عام 2003.
في البلدان الطبيعية، تقاس ثروة الدول بما تملكه من احتياطيات مالية، وبما تبنيه من مصانع ومدارس ومستشفيات وبنى تحتية. أما في العراق، فيبدو أن المقياس تغيّر منذ سنوات؛ إذ أصبحت الأرقام الفلكية للفساد هي العنوان الأكثر حضوراً في نشرات الأخبار، حتى بات المواطن يسمع عن “المليارات” و”التريليونات” كما يسمع عن حالة الطقس.
التصريح الأخير للمستشار القانوني لرئيس الوزراء، القاضي منير حداد، أعاد فتح واحد من أكثر الملفات إيلاماً في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، حين صرح أن حجم الأموال المنهوبة منذ عام 2003 وحتى اليوم يتجاوز حاجز التريليوني دولار (أكثر من 3 كوادريليون دينار عراقي)، وهو رقم يصعب حتى على الخيال استيعابه، فضلاً عن محاولة ترجمته إلى واقع يعيشه أكثر من أربعين مليون عراقي. ووفقاً للتصريحات، فإن التحقيقات لا تزال مستمرة، وقائمة المتهمين تتوسع يوماً بعد آخر لتشمل مسؤولين حاليين وسابقين، فيما تتحدث الاعترافات عن شبكات معقدة تمتد داخل مؤسسات الدولة وخارجها.
وإذا صح الرقم، فلم يعد السؤال: من سرق؟ بل: ماذا بقي لم يسرق؟!
فالتريليونا دولار ليست مجرد أموال ضائعة، بل تعني آلاف المدارس لايزال طلابها يفترشون الارض للجلوس والاف الجامعات لم تبن او تستحدث ، وعشرات المستشفيات بقيت حبراً على ورق، ومشاريع ماء والكهرباء التي يصرف لها في كل موازنة بحسب تصريح سابق لمحافظ البنك المركزي علي العلاق 25 ترليون دينار ولاتوجد كهرباء ، وطرق محفرة وسكك حديد ومطارات ومدن سكنية كان يمكن أن تغير شكل العراق بالكامل. إنها ليست اوراقا نقدية اختفت من خزائن الدولة، بل سنوات من عمر وطن اهدرت، وفرص تنمية ضاعت، وأجيال دفعت ثمن الفساد من مستقبلها قبل حاضرها.
المفارقة الأكثر قسوة أن العراق، رغم كونه واحدا من أكبر منتجي النفط في العالم وصاحب خامس أكبر احتياطي نفطي مؤكد، ما يزال يعيش أزمات الكهرباء والمياه والبطالة والخدمات الأساسية. وهذه المفارقة لم تعد بحاجة إلى تفسير اقتصادي بقدر ما تحتاج إلى تفسير أخلاقي وسياسي. فالدول لا تفشل لأنها فقيرة، بل لأنها تعجز عن حماية ثرواتها وإدارة مواردها بكفاءة.
وفي الوقت نفسه، تحمل تصريحات حداد رسائل لا تقل أهمية عن الرقم نفسه. فالإعلان عن محاكمات علنية، واستمرار حملات الاعتقال، والتأكيد على عدم وجود خطوط حمراء، كلها وعود ستخضع لاختبار الشارع العراقي، الذي اعتاد خلال العقدين الماضيين على سماع عناوين كبيرة تنتهي غالباً بملفات منسية في أدراج النسيان. لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس في حجم التصريحات، بل في حجم النتائج التي ستلمسها العدالة على أرض الواقع.
لقد تحول الفساد في العراق من مجرد جرائم مالية متفرقة إلى منظومة استنزفت الدولة وأضعفت ثقة المواطن بمؤسساتها. واستعادة هذه الثقة لن تتحقق عبر المؤتمرات الصحفية، ولا عبر تداول الأرقام الصادمة، بل عبر أحكام قضائية عادلة، واسترداد الأموال المنهوبة، وإعادة بناء منظومة رقابية تجعل سرقة المال العام استثناءً لا قاعدة.
ويبقى السؤال الذي يتردد في ذهن كل عراقي كلما سمع رقماً جديداً: إذا كانت هذه الأموال قد خرجت من خزائن الدولة، فمن الذي سيدفع فاتورة غيابها؟
الإجابة يعرفها المواطن جيداً… فهو يدفعها كل يوم، حين ينطفئ التيار الكهربائي، أو ينتظر وظيفة لا تأتي، أو يقف في طابور مستشفى حكومي، أو يعبر شارعاً لم يكتمل منذ سنوات.
ففي العراق، يبدو أن المواطن لم يكن يوماً شريكاً في الثروة… لكنه كان دائماً الشريك الوحيد في دفع ثمن سرقتها.
